تل جنديرس من التلال الأثرية الهامة في منطقة عفرين، تبلغ مساحته /2/ هكتار "400م×500م"، وهو يقع جنوبي البلدة، وقد تم تسجيله تلا أثريا في محافظة حلب تحت رقم 266.
جنديرس الحالية بلدة كبيرة، ومركز لناحية هامة في منطقة عفرين، يحيط بها سهل يموج بأشجار الزيتون، وهي على بعد 20 كم من مدينة عفرين.الحي الجنوبي الحالي المحاذي لتل جنديرس هي القرية الأساسية. وأغلب الظن أنها أقيمت على أنقاض جنديرس القديمة.
تشير المصادر التاريخية، إلى أن موقع التل من الأماكن المأهولة الهامة والقديمة. فهو يقع وسط سهل واسع وخصب، تكثر فيه الينابيع، ولا يبعد عن نهر عفرين سوى 5كم شمالاً. ويمر من الموقع الطريق الرومانية الرئيسية القديمة التي كانت تصل نبي هوري، وانطاكية والأناضول شمالا وشرقا؛ فجعل كل ذلك من موقع تل جنديرس أحد أهم مراكز الاستيطان القديمة في القسم الجنوبي من سهل جومه.
تشير المصادر إلى الأهمية التاريخية لجنديرس القديمة، فقد كانت مهدا للرهبانيات في شمالي سوريا خلال القرون الأولى للميلاد، [ بولس يتيم، ص 16]. وقد أسس فيه أحد تلامذة مار يوليانوس الرهاوي دير جنديرس في أواخر حكم الإمبراطور قسطنطين 306-337م، /ع.حجار، كنيسة سمعان، ص16/. كما وصف ابن شداد جنديرس بما ينبئ عن موقعها وأهميتها السابقة حينما يقول: وبكورة الجومه عيون كبريتية تجري إلى الحمة. والحمة قرية يقال لها حندارس "جندارس"، لها بنيان عجيب، معقود بالحجارة، يأتيها الناس من كل الأماكن، فيسبحون بها للعلل التي تصيبهم، ولايدرى من أين يجيء ماؤها، ولا أين يذهب /الدر المنتخب، ص131/.
ذكر الجغرافي القديم سترابون اسم الموقع خلال العصر الروماني ـ الهلنيستي بشكل (جينداروس)، وهناك من يعتقد أن الموقع مطابق لموقع مدينة كينالوا عاصمة مملكة أونكي/ باتن الحثية في الألف الأول ق.م. وقد مر بها الإمبراطور الآشوري "آشور ناصر بعل الثاني" بجيشه في عام 876ق.م، حينما سار من كركميش إلى عزازوم "اعزاز حالياً ". ثم عبر نهر عفرين وقضى الليل على ضفته الغربية ووصل بعدها إلى كينالوا.
أما من الناحية الأثارية، فتشير الفخاريات واللقى المكتشفة . وقد بدأت تنقيبات البعثة السورية-الألمانية في سنوات 1993 – 1996، في ثلاث مواضع من التل وكشفت مساحة 2150 م2 منها. وتم اكتشاف خمس سويات بناء أساسية متعاقبة تمتد من منتصف الألف الثاني ق.م إلى أواخر العصر البيزنطي "القرن السادس بعد الميلاد". فالسويتان "1،2" تعودان إلى أوائل الفترة البيزنطية؛ وهي بيوت صغيرة، وتحتوي السويتان "3 و4" على أساسات جدران مجمع معماري ضخم، وتقدم اللقى الفخارية وسرج الزيت والنقود... تأريخاً للطبقات البيزنطية خلالالقرن السادس بعد الميلاد. كما اكتشفت كسر فخارية كبيرة تحت السويات الأربعة، ، وكسر زجاجية وسرج زيت تعود بتأريخها إلى أواخر العصر الهلينستي "حوالي 100 ق.م" وتم إثبات هذا التاريخ بواسطة النقود والصور الفخارية التي تمثل آلهة الخمر "ديو نيروس".
كما تشير اللقى المتفرقة من الفخار إلى استمرار السكن فيها حتى أواسط العهد الإسلامي. وفي ثلاثينات القرن العشرين، استقرت قوة من الجيش الفرنسي على القمة الشمالية الشرقية للتل.
وفي عام 1996 وأثناء عملية حفر أساس بناء في موقع البازار شمالي التل بحوالي 200م، ظهرت أدوات وتماثيل من البرونز والمعادن، فاعتبر الأثريون ذلك المكان ورشة صناعية من تلك العهود القديمة.
كما يبدو واضحاً أن السور الأساسي للحصن في المنحدر الغربي الذي يبلغ عرضه على الأقل ثمانية أمتار يعود إلى الألف الثاني ق.م . لذلك يبدو أن مستوطنة تل جنديرس كانت خلال الألف الثاني ق.م على الأقل مدينة حصينة وضخمة.
المضافات في منطقة عفرين ودورها الاجتماعي ===== سنعود بالزمن إلى الوراء ولكي نسرد ومضات من السيرة الاجتماعية لحياة السكان في منطقة عفرين ، فقد كانت الحياة الاجتماعية بسيطة ، تعكس حياة الريفي البسيط الذي يعمل في الأرض لتأمين مستلزمات العيش بالإضافة إلى انعدام وسائل الترفيه والإعلام . فقد لعبت المضافات التي ينشأها وجهاء القرية وخاصة الموسرين ( الميسورين ) منهم دوراً هاماً في اجتماع الناس فيها ، يتحلق الناس بعد الانتهاء من مشقة عمل زراعي طويل في النهار أو الرعي ، حيث يتبادلون أطراف الحديث ويتلهفون لسماع أخبار قريتهم والقرى المجاورة الجديدة . كما أنهم يعرضون أخبارهم ومشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية من أجل التعاضد والتعاون في حلها وأخذ الرأي وإبداء المشورة من الكبار والمنورين من أبناء القرية لأخذ قرار صائب وسليم في كل ما يعترضهم من معوقات كالزواج في حال أقدم أحد أبناء القرية على طلب الزواج من عائلة أخرى فكان أهل الشاب يدعون وجهاء القرية للاستعداد وأخذ القرار وتشكيل وجاهة لطلب يد الفتاة من أهلها . كما كان لهذه المضافة دوراً في التعاضد الاجتماعي والمحافظة على البنية المتماسكة للمجتمع ...
أهم الوديان في ناحية جنديرس ======== سهولٌ فسيحة خلاّبة، تحتضنها الجبال. تختال فيها سنابل القمح ذهباً. وتزدهر فيها شجيرات القطن فضةً. وتتجاور فيها أشجار الزيتون والتفاح والرمان. .................... نهرٌ ينحدر أبداً من الشمال عذباً رقراقاً. يتدفق .. يروي البشر والحيوان والشجر. خيّم على ضفافه الغزاة والفاتحون. وصدحت على جوانبه أغاني الفلاحين. وتماوجت من حوله أنغام مزامير الرعاة. .................... جبال تمتد وتمتد، تتلاصق وتتناجى. تتشامخ بهاماتها نحو الشمس. تتعانق فيها نضارة الكروم وصلابة الزيتون. تتعطّر بشذى الزعتر والنرجس والبنفسج. تتجاور فيها كبرياء الصخور ورقّة الزهور. .................... وديان مهيبة.. ما أروعها وهي تناغي السفوح! تتلوّى.. فتعانق الصخور والأشجار. وتتبادل مع القمم النجوى صباح مساء تزمجر فيها السيول العاتية أيام الشتاء. وتتمايل على جوانبها شقائق النعمان في الربيع. .................... عفرين.. موطن الجمال والجلال. فما أجمل أنت نتعلم من سهولها الرحابة والنّماء! وما أروع أن نتعلم من نهرها الحيوية والعطاء! وما أعظ...
تعليقات
إرسال تعليق